تمهيد:
بخلاف ما يعتقده كثير من أبناء القبائل بأن البادية لا تهتم بالتدوين وأنه يصعب العثور على وثائق لهم، إلا أن الأيام تكشف لنا يوماً بعد آخر أن الوثائق موجودة، لكنها تحتاج إلى بحث دؤوب في مناطق التحضُّر التي لها علاقة بتلك القبائل.. والوثيقة التالية خير مثال على ذلك، حيث تتميز هذه الوثيقة بقِدمها لأنها تعود لسنة 840هـ، كما تتميَّز بورود عدد من الأعلام والفروع التي تعرَّفنا على بعضها ولم نتعرَّف على البعض، ولذا فقد رأيت نشرها لعل الباحث في أنساب قبيلة عنزة الكبيرة والقبائل الخيبرية العريقة يجد فيها بعض الدلالات والإشارات المفيدة لبعض الجدود.
ومع أن الوثيقة منقولة بخط متأخر عن زمن الوثيقة الأصلية إلا أنني أعتقد بصحتها مع أنها ربما فقدت بعض الكلمات نتيجة للتلف أو لأخطاء الناقل، لكنها تبقى إشارة تاريخية مهمة، وهذا نص الوثيقة:
الحمد لله، هذا ما (صار) بين الشاجعة (؟) (1) وبين (ماجد بن مانع) (2) من (الفدعان)؛ (و) بين (نامي بن شمروخ) (3) و(السطيحي العوشزي) (4) موكل (ماجد) و(الفدعان): إن عين شهر(5) ما لنا دونكم، وإنها تمر من عندكم إلى الخبزية (6) وأن منفعتها (؟) على الحضري، وأنكرنا من كل ما قالوا (الفدعان)، وقال: أما راس العين ما لنا فيها شي، وأما المَجْرَى فلنا دونكم، وما لكم علينا للخبزية ممر، وأما أنتم الزموا ماكم (7) في رأس عينكم، ولا تودعوه يجي مالنا، فألزم القاضي إن (ماجد) يجي بشهود (8) بأن ممر العين من راس عين شهر إلى الخبزية إنه على (السطحة العوشزي) إلى الميزاب (9) أصل من كبارنا كبار (؟) (الفدعان) على كبار (السطَحَة) أنه أصل، وحط القاضي على (شمروخ) و(السطيحي العوشزي) دِين لئن (؟) (10) إن لكم علينا ممر من ما لنا إلى الخبزية، وأن المجرى لنا دونكم، ومنفعة المجرى لنا دونكم.
وجاب (ماجد) ورقة مزورة وبطَّلها القاضي ولم تصح، فحَلَّفه (السطيحي العوشزي) وحلَّفوه (الفدعان) أن المجرى لنا دونكم ولن يكون لكم علينا من الميزاب ممر، وأن منافعها لنا دونكم من مربت أم هدال (؟) إلى الميزاب.
وانقطع الحق بينهم وتراضوا، وصح المنافع والخُمْس ل(السطيحي) دون (الفدعان)، ما لهم عند (السطيحي العوشزي) لا دعوى ولا طَلْبة بالمجرى ولا دعوة يدَّعونها إلاَّ زور وبهتان وعدوان.
وصح وثبت بعد المجموع (11) والمخالصة على أن المجرَى والخُمس والفقرة بين (نامي) و(العوشزي) نصفين (؟)، ولا عاد ل(الفدعان) لا دعوى ولا طَلْبة، وصح ذلك تاريخ يوم الخميس عشر من شهر جماد أول عام أربعين وثمان ماية عام.
وشهد (حجي بن حديثة) و(ملاك بن مالك) و(عبد الله بن موسى القاضي) و(خالد بن حسين القاضي) و(رجب بالسهل (؟) و(عامر بن علي بن قميص؟) (12) و(عليان بن فلاح الجوفي) و(خريص بن شريف) وابن أخيه (؟) (صقر).
هذا الذي شهد الذي ل(السطحة العواشزة) في المجرى في عين شهر الوجبتين في ثمان مكيال تمر وصاع شعير في الليل مدَّيْن والنهار مدَّين تمر ماء بدَوْر (؟)، والحب بدَور في كل وجبة، والخمس بين (نامي) وبين (العوشزي)، والحزمة ل(العوشزي) والقنو بتمر ل(نامي)، المربد (13) ل (العوشزي) ست أصواع (14)، وصح ذلك وثبت، وكتب القاضي (حسين بن موسى)، وشهد ذلك (محمد بن إبراهيم) و(حسين بن حسن) و(ثابت بن وصيلة) و(مخيزيم بن محمود الجعفري) و(علي بن وزين) وأخوه (عمران) على طرف كتب(؟) (موسى بن حسن؟) (15) بخطه وكتبه (أحمد….(؟)) من ورقة (موسى بن حسين القاضي) وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ظهر(؟) (16): اغفر، يليها: والدين، وارحم والديه ووالدي من يقول: آمين.. وهذي الناقة إليا مِنّها نوخت بالرحَبَة (17) وإلاَّ بصحين (؟) (18) يتلّونها (الكرعان) للكتف حيث ما تروح إما لا لمكيدة (؟) ولا للعاصمية (19) حيث ما تروح لازم، ول (الكرعان) (20) على التجار بالرحبة إدارة (21)، وكل تاجر رطل رصاص على فراش الرحبة، ونزلها (صالح بن حمد بن دخيل الزبيري) (22) من ورقة خاربة وداخل على الله عن زود حرف أو نقصان، والله خير الشاهدين (؟) نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والرحَبَه وصحين عليهن الكتف، وفقرة (23) (المطارفة) ل(العواشزة) يحدها فِقَر (المطارفة) (24) فقرة الدلقة (؟) مطلع، ومن مغيب: النقاطة (25)، وقبلة: الصبيخا (26)، يحده شمال: نخل صفصافة (27)، وحوش العرف ل (الحمدان) (28) من الجرار (29)، ولهم على المدن إدارة (30) ل (العواشزة)، وأن فقرة (المهيد) (31) ل (العواشزة) يحدها مغيب شمس: السهَم وجادة العاصمية، ولا أحد من الحضر يجيها، يحدها مطلع شمس: بهيمة (32) وثرمد فقرة (؟) (المطارفة) (33).
الحواشي:
(1) مع أن هذه الكلمة تبدو في الأصل: المشاجعة، إلا أن الذي أميل إليه أنها الأشاجعة، حصل فيها تحريف من ناقل الوثيقة، لأن الأصل كتب الشاجعة أي بدون الهمزة بعد الألف واللام لأن العامة لا ينطقون الهمزة، فنقلها الناسخ المتأخر المشاجعة، والله أعلم.. والأشاجعة من الجلاَس من عنزة.
(2) الذي أميل إليه أن ماجداً هذا هو جد (ظنا ماجد) من الفدعان.
(3) جاء في أحد تهميشات الوثيقة: (موكل العواشزة ونامي المطارفة) والمراد: ونامي موكل المطارفة، ولعل في هذا إشارة إلى أن نامي بن شمروخ من المطارفة من عنزة.
(4) العواشزة من القبائل المتحضرة القديمة في خيبر.
(5) عين شهر من عيون خيبر القديمة لا تزال معروفة بهذا الاسم، تقع خلف منطقة الحصن شمالي خيبر، ولا تزال مياها جارية.
(6) الخبزية: اسم ملك في منطقة السَّهَم في خيبر.
(7) هكذا في الأصل، والمراد: احفظوا ماءكم.
(8) في الأصل: يجيب شهود.
(9) الميزاب: اسم ملك في خيف الحدايج خلف حصن القاموص في خيبر، وما زال معروفاً بالاسم نفسه.
(10) هكذا في الأصل، ويبدو أن المراد: لا أن لكم، أي ليس لكم علينا ممر.
(11) المجموع: أي الاجتماع لسماع الدعوى، وحل القضية.
(12) هناك القمصة من السبعة من عنزة، ولا أدري إن كان لهم علاقة بعلي بن قميص أم لا.
(13) المِرْبد: بناء على شكل غرفة مستطيلة مبنية بالحجر من الجانبين ومفتوحة من الجانبين ومسقوفة من الجريد وسعف النخل، وأرضيتها مفروشة بالحجر، تستخدم للراحة والسكنى وخصوصاً في موسم الصيف.
(14) قد يكون في العبارة كلمة أو جملة ساقطة، لعدم استقامة العبارة هنا.
(15) مر معنا في الوثيقة أن الكاتب الأول هو حسين بن موسى القاضي، وقد يكون هنا خطأ من الكاتب المتأخر في نقل الاسم، أو أن موسى بن حسن كاتب متأخر من أحفاد موسى القاضي.
(16) ظهر: أي هذا ما على ظهر الورقة.
(17) الرَّحَبَة: موضع قديم أسفل الحصن ما زال معروفاً بهذا الاسم، وكان فيها السوق قديماً، لكنها مهجورة الآن، وفيها آثار قديمة فقط.
(18) صُحَيْن: موضع آخر كان أيضاً فيه سوق قديم، وهو مهجور الآن، ولا يزال معروفاً بهذا الاسم.
(19) مكيدة والعاصمية: قريتان قديمتان في خيبر، ما زالتا معروفتين باسميهما.
(20) الكرعان من القبائل المتحضرة في خيبر منذ القدم، لهم رئاسة السوق، والمعنى أنهم يأخذون رسماً على المركوبة التي تدخل سوقهم.
(21) المراد: الإشراف على السوق.
(22) صالح بن حمد بن دخيل الزبيري، من أعيان الدخيل من الكرعان من القبائل القديمة المتحضرة في خيبر، وكان شيخ قرية بشر بخيبر، وكانت مشيخته في أواخر القرن الثالث عشر الهجري.
(23) المراد بالفقرة: حرة معروفة في المنطقة، مضافة لقبيلة المطارفة من عنزة.
(24) المطارفة من السلقا من عنزة، وهم الآن فرع كبير من عنزة.
(25) النَّقاطة: عين ماء في خيف الوطيح في خيبر.
(26) الصبيخاء: وادٍ من أودية خيبر، ما زال معروفاً بهذا الاسم.
(27) صفصافة: خيف قديم في خيبر، ما زال معروفاً بهذا الاسم.
(28) ورد في الوثيقة المنقولة: الحمران، والأرجح أنها الحمدان، لأنهم فرع من الجرار ما زال معروفاً في خيبر.
(29) الجرار من أهل خيبر القدامى.
(30) المراد: لهم الإشراف على الأسواق.
(31) المهيد: شيوخ الفدعان، وهم من أقدم شيوخ عنزة، وهم الآن فرع كبير.
(32) بْهَيْمَة: حرة معروفة في خيبر، في نهايتها غار مشهور يُسمى: غار بهَيْمة.
(33) مصدر الوثيقة: مجموعة الأستاذ سلطان بن عبد المطلب بن دخيل الدخيل الخيبري، وقد اطلعت عنده على أصل الوثيقة، وزودني مشكوراً بنسخة منها وأذن لي بنشرها، والأستاذ سلطان لديه مجموعة طيبة من الوثائق القديمة أعكف أنا وهو الآن على تحقيقها ونشرها قريباً – إن شاء الله -.