أفصح الباحث والمؤرخ فايز البدراني ضمن سلسلة دراساته التاريخية والأدبية للمدينة المنورة عن وجود 258 وثيقة من خيبر تغطي ما يقارب خمسة قرون من تاريخ المنطقة التي تبعد 170 ميلا شمال المدينة، وتدل الاكتشافات الأثرية والكتابات على أن تاريخ عمارتها قد يعود إلى عدة قرون قبل الميلاد.
المذاهب الفقيهة
وتكشف الوثائق الموجودة ضمن كتابه «وثائق من خيبر 840 هـ -1370» والتي تنشر للمرة الأولى معلومات دقيقة عن الجوانب الفكرية والدينية السائدة في ذلك المجتمع وفي تلك الحقبة التاريخية.
وتقف الوثائق كما يبدو للمتأمل في طبيعة الأحكام القضائية، وعلى المذاهب الفقهية السائدة في منطقة الحجاز، من خلال بعض الإشارات الصريحة أو الضمنية الواردة في المكاتبات القضائية، والفتاوى الشرعية ضمن وثائق الكتاب.
وكما يعرف تاريخيا أنه خلال حقبة الدولة العثمانية كان المذهبان الحنفي والشافعي هما المذهبان السائدان، وحين دخلت الدولة السعودية الأولى والثانية بدأ المذهب الحنبلي يدخل في القضاء.
وتقدم الوثائق رصدا دقيقا لأعلام الفقهاء وأئمة المساجد في تلك القرى على مدى أربعة قرون.
والسبب أن الفقهاء والأئمة أكثر ممارسة للكتابة من غيرهم في الأرياف البعيدة عن مراكز العلم والتجارة.
تحامل دواتي
ويرد البدراني من خلال المجموعة الأولى التي أخرجها عن وثائق خيبر على تحامل الرحالة الإنجليزي تشارلز داوتي ومن نقل عنه في كتابه «رحلات في الصحراء العربية» مؤكدا أن أهالي خيبر من خلال تاريخهم الطويل وتفرعاتهم الموحدة نسبيا، وتنظيماتهم الاجتماعية، يشكلون كيانا عشائريا قبائليا، لا يختلف عن التكوينات القبلية الأخرى، بدلالة كثرة تحالفاتهم مع القبائل الأخرى كأطراف قبيلة مستقلة، ومن خلال تنظيماتهم القبلية.
العملات السائدة
في الجانب الاقتصادي تشير الوثائق إلى العملات السائدة بخيبر خلال حقبة البحث، بينها الأحمر الشريفي ويساوي (10) حروف تقريبا، وعملة محلية ذكرتها الوثائق تسمى»جنزير» و»الحرف» وهي عملة فضية ويسمى أحيانا: أشرفي أو شريفي.
ومن العملات السائدة في الفترة التي تغطيها الوثائق بين 840هـ -1370هـ كذلك القرش ويسمى قرش كلب ويساوي «5» حروف أو «45» ديوانيا، إضافة للريالات الفرنسية وهي العملة النمساوية، وكانت بحسب البدراني الأكثر تداولا، وكذلك ريال الفضة ويساوي «3» قروش، والريال السعودي وهو الريال الفضة الذي ضرب في عهد الدولة السعودية الثالثة، وشاع استعماله في خيبر بعد منتصف القرن الـ 14الهجري.
ومن أكثر العملات القديمة التي استخدمت خلال تلك الحقبة حسبما يتكرر في المعاملات التي تشير إليها الوثائق عملة تسمى «الزر» استخدمت في العصر العثماني، ولكنها انقطعت في وقت مبكر.
وكذلك المحلق وهي عملة فضية.
ومن العملات؛ المجيدي وهي عملة عثمانية من الفضة وتساوي عشرين قرشا عثمانيا، وتعد من العملات الأكثر شيوعا.
لغة الوثائق
وتفصح الوثائق التي كشف عنها البدراني عن طبيعة اللغة التي كتبت فيها بدون تكلف أو محاولة مصطنعة لتطبيق قواعد اللغة العربية، كما تتميز بما تحمله من مفردات عربية وعبارات شرعية ربما لم تعد مستخدمة اليوم في المكاتبات الشرعية.
وتكشف الوثائق في ذات السياق عن شكل الكتابة وما مر بها من مراحل التطور أو الضعف خلال تلك القرون، حيث يصل الباحث إلى أن جمال الخطوط يبرز أكثر في الوثائق الأولى ثم يقل تدريجيا ليبلغ أدنى مستوى له عند نهاية البحث، أي في منتصف القرن الـ 14 الهجري، مؤكدا أن ذلك يدل على ما مرت به المنطقة من تحولات في الثقافة عموما، وثقافة العربية وآدابها خصوصا.
وكتاب البدراني يعطي فرصة لدراسة مراحل ضعف اللغة العربية وبداية تفشي العامية في منطقة الحجاز، إذ يمكن من خلال ما جاء به البحث تحدد بدايات العامية عن طريق تتبع اللغة المحلية المكتوبة وليس القصائد العامية، التي أفسدها – بحسب قوله- الرواة بالتناقل الشفهي فلم تعد مصدرا موثوقا لدراسة الألفاظ العامية وتحديد بداية ظهورها.
وتعطي الوثائق أيضا ما يمكن أن يثري الدراسات الاجتماعية وكذلك تصور الحياة اليومية بدقة لسكان المنطقة الذين يعتمدون في شؤون حياتهم اليومية بشكل كبير على الزراعة، خصوصا النخيل، والأدوات الزراعية المستخدمة حينها.
الوضع السياسي
وتقدم الوثائق صورة عن الحياة السياسية والأوضاع الأمنية من خلال الإشارات الموثقة للأحوال السياسية، وما يتعلق بالسلطات المحلية في الحجاز، وكذلك السلطة الخارجية للدولة الإسلامية عن طريق الرسائل والمكاتبات بين شيوخ المنطقة وأعيانها وبين أشراف الحجاز وأتباع الدولة العثمانية.
وتغيير المخطوطات الذي كشف من خلاله الباحث كثيرا من الروايات العامية التي لا أصل لها.
بل إن كثيرا من الأسر يتناقل رواتها معلومات خاطئة عن أنسابهم، بل وعن تسلسل جدودهم، لأنهم يتناقلون معلومات شفهية غير مكتوبة، فدخلها الكثير من الخلط والأخطاء.
ويضم فهرس أعلام الوثائق أكثر من 500 علم تكشف عن تسلسل جدود بعض الأسر، وربطهم بأحفادهم المعاصرين تسلسلا موثقا.
خيبر في التاريخ القديم
تدل الاكتشافات الأثرية والكتابات التاريخية على أن تاريخ عمارة خيبر قد يعود إلى عدة قرون قبل الميلاد، كما يستفاد من تلك المعلومات أنها قد خضعت لحكم الملك البابلي نابونيد (555-539 ق.
م) ثم تتابع عليها حكم الممالك العربية القديمة، حتى جاء العصر الإسلامي، ففتحها المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم يوم غزوة خيبر المعروفة.
خيبر في العصر السعودي
دخلت منطقة خيبر مرحلة جديدة بعد انضمامها للسعودية في بداية رجب 1341 وهو تاريخ بداية المراسلات والتفاوض بين أهل خيبر والملك عبدالعزيز، حيث نعمت المنطقة بالاستقرار الأمني، وانتظمت في ركب الحركة التعليمية وشملتها مظاهر النهضة العمرانية والاجتماعية كغيرها من مناطق المملكة الأخرى.